أبو عبد الله العبدري
44
رحلة العبدري
في الحصن احتياطا عليه من الفساد - زعموا - وجعلوا المعترك خارج الحصن إلى مسافة منه ، ونصبوا لذلك حدودا وأعلاما ؛ فهم يتقاتلون من ورائها ، فإذا آوتهم حدود الحصن لم يرم أحد منهم حجرا ، و [ لو ] « 1 » اجتمع بقاتل حميمه « 2 » لا يعرض له ، فإذا خرجوا من حرم الحصن اشتعلت نار الحرب بينهم . هذا دأبهم لا يغدرون ولا ينقضون ، وخافوا فساد حصنهم ولم يخافوا فساد كونهم ! واستباحوا ما حرّم اللّه من قتل النّفس ، وامتنعوا من [ 5 / ب ] خرم ما شرّعوه بينهم من قانون السّخف ! و « كلّ مستعمل وميسّر لما خلق له » « 3 » . لا جرم أنّ فيهم آحادا لا بأس بهم ، وخصوصا من جال منهم ورأى النّاس . وعامّتهم جاهليّة الطّباع ، ولكنّ مكارم الأخلاق عامّة لأكثرهم . وقد سمعت سيّدي الفقيه الجليل الفاضل أبا بكر بن عبد العزيز - رحمه اللّه - يحكي عن والده الشّيخ الصّالح القدوة أبي محمّد - وكان دخل بلاد القبلة - أنّه كان يقول : « الغرب دنيا بلا رجال ، والقبلة رجال بلا دنيا » أو كلاما هذا معناه ؛ وإنّما يعني مكارم أخلاقهم مع أنّ عيشهم غير متّسع كاتّساعه في الغرب . وما زلنا في كنف لطف اللّه تعالى وتحت ذيل عنايته « 4 » لا يهيجنا أحد إلا ردّه اللّه عنّا خاسئا « 5 » حتّى انفصلنا عنها في أزيد من ثلاثين مرحلة .
--> ( 1 ) - زيادة من سائر النسخ . ( 2 ) - الحميم القريب . ( 3 ) - أخرجه البخاري في كتاب القدر ، باب وكان أمر اللّه قدرا مقدورا ، رقم 6605 - 11 / 494 ، ومسلم في القدر باب كيفية الخاق رقم 2649 - والترمذي في القدر باب ما جاء في الشقاء والسعادة باب ما جاء في الشقاء والسعادة رقم 2137 وفيها بلفظ : « كلّ ميسر لما خلق له » . ( 4 ) - في ت : غايته . ( 5 ) - الخاسئ : المطرود ، ويكون الخاسئ بمعنى الصاغر القميء المبعد .